القاضي عبد الجبار الهمذاني
512
متشابه القرآن
تمنى كتاب اللّه أول ليله * وآخره « 1 » لاقى حمام المقادر ويبين فساد ما ذكره بعضهم من أنه صلّى اللّه عليه غلط في القرآن حتى أدخل فيه : تلك الغرانيق العلا ، شفاعتهم ترتجى ، وأن المشركين بمكة لما سمعوا ذلك سجدوا شكرا وفرحا ، وظنوا أن الرسول صلّى اللّه عليه ، قد عظم آلهتهم « 2 » ، بأن يقال : إن مثل ذلك لا يجوز أن يقع من الأنبياء على سبيل
--> ( 1 ) في د : وآخرها . وفي تاج العروس : وتمنى الكتاب : قرأه وتلاه ، قال الأزهري : والتلاوة سميت أمنية لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمناها ، وإذا مر بآية عذاب تمنى أن يوفاه ، وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى : [ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ ] قالوا : إلا تلاوة : 1 / 349 ، وقال الفراء : التمني التلاوة . فتح الباري : 8 / 354 ، وبيت حسان في رثاء عثمان رضى اللّه عنه . انظر الزبيدي : المصدر السابق . الرازي : التفسير الكبير : 6 / 166 . ( 2 ) أخرج البخاري من حديث ابن عباس رضى اللّه عنهما ، في تفسير قوله تعالى : [ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ] من سورة النجم ، قال : « سجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون ، والجن والإنس » وليس في هذه الرواية ذكر لمسألة الغرانيق ، وأن النبي قد جرى على لسانه ذكر آلهتهم بخير ، وإن كانت هذه المسألة قد رويت من عدة طرق ذكر الطبري أكثرها ، وكلها - كما ذكر ابن حجر - إما ضعيف وإما منقطع ، خلا رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقد حملت كثرة الطرق ابن حجر على القول « بأن للقصة أصلا » لأن من طرقها - كذلك - طريقين مرسلين - ذكرهما - رجالهما على شرط الصحيح ، واختار لها من وجوه التأويل : ان رسول اللّه كان يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ، ونطق بتلك الكلمة - تلك الغرانيق العلى . . . - محاكيا نغمته ، بحيث سمعها من دنا فظنها من قوله وأشاعها ، يؤيد ذلك تفسير التمني بالتلاوة فصار معنى قوله تعالى : [ فِي أُمْنِيَّتِهِ ] أي في تلاوته ، قال ابن حجر : « فأخبر تعالى أن سنته في رسله إذا قالوا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه » وقال : « فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لا أن النبي قاله » . وقد ذهب آخرون إلى أن القصة مختلقة من الأساس ، وحكموا ببطلان ما روى في ذلك ، وشدد بعضهم النكير على رواتها ، كما فعل أبو بكر بن العربي والقاضي عياض ، ولعل أحسن ما كتب في رد هذه القصة وإبطالها بدليل الكتاب والسنة والمعقول ما كتبه الإمام الرازي رحمه اللّه في تفسيره . انظر : الطبري : 17 / 186 - 190 . الرازي : وبهامشه أبو السعود ، 6 / 165 - 166 . فتح الباري 8 / 354 - 355 .